أحمد زكي صفوت

422

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

أميّة كهاشم « 1 » ، ولا حرب كعبد المطلب « 2 » ، ولا أبو سفيان كأبى طالب ، ولا

--> ( 1 ) ولى هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة ( والسقاية : إسقاء الحجيج الماء العذب ، والرفادة بالكسر : خرج كانت قريش تخرجه في كل موسم من أموالها ، فتدفعه إليه ، فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ) فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه ، وكان ذا مال ، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم ، فعجز عنه ، فشمت به ناس من قريش ، فغضب ونال من هاشم ، ودعاه إلى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ، فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين ، فرضى بذلك أمية ، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي - وهو جد عمرو بن الحمق . ومنزله بعسفان بالضم : موضع على مرحلتين من مكة - وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري ، وكانت ابنته عند أمية ، فقال الكاهن « والقمر الباهر ، والكوكب الزاهر ، والغمام الماطر ، وما بالجو من طائر ، وما اهتدى بعلم مسافر ( والعلم بالتحريك : ما نصب في الطريق يهتدى به ) من منجد وغائر ( وأنجد : أنى نجدا ، وغار وأغار : أتى غورا ) لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر ، أول منه وآخر ، وأبو همهمة بذلك خابر » فقضى لهاشم بالغلبة ، وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها ، وغاب أمية عن مكة بالشأم عشر سنين ، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية - انظر تاريخ الكامل لابن الأثير 2 : 6 والسيرة الحلبية 1 : 4 وتاريخ الطبري 2 : 180 . ( 2 ) حرب هو حرب بن أمية جد معاوية ، وعبد المطلب جد على وقد تنافرا أيضا . وسبب ذلك ، أن عبد المطلب كان له جار يهودي يقال له أذينة ، يتجر وله مال كثير ، فغاظ ذلك حرب بن أمية ، وكان نديم عبد المطلب ، فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله ، فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار ، وصخر بن عمرو بن كعب التيمي جد أبى بكر ، ولم يعرف عبد المطلب قاتله ، فلم يزل يبحث حتى عرفهما ، وإذا هما قد استجارا بحرب بن أمية ، فأتى حربا ولامه ، وطلبهما منه فأخفاهما ، فتغالظا في القول ، حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما ( نفره عليه : قضى له عليه بالغلبة ) فجعلا بينهما نفيل ابن عبد العزى بن رياح ، فقال لحرب : « يا أبا عمرو : أتنافر رجلا هو أطول منك قامة ، وأعظم منك هامة . وأوسم منك وسامة ( والوسامة بالفتح : الحسن والجمال ) وأقل منك ملامة ، وأكثر منك ولدا ، وأجزل صفدا ( والصفد بالتحريك : العطاء ) وأطول منك مذودا ( والمذود كمنبر : اللسان ) وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب ، رفيع الصوت في العرب ، جلد المريرة ( أي العزيمة ) جليل العشيرة ، ولكنك نافرت منفرا » فغضب حرب وقال : إن من انتكاس الزمان أن جعلت حكما ، فترك عبد المطلب منادمة حرب ، ونادم عبد اللّه بن جدعان ، وأخذ من حرب مائة ناقة . فدفعها إلى ابن عم اليهودي ، وارتجع ماله إلا شيئا هلك فغرمه من ماله - انظر تاريخ الطبري ج 2 : 181 وتاريخ الكامل لابن الأثير 2 : 6 . فقد بان لك وجه النظير في قول الإمام ، وقال ابن أبي الحديد : « وكان الترتيب يقتضى أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في قعدد ( والقعدد كبرثن : القربى ) وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه ، وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب وأن يكون حرب بإزاء أبى طالب وأن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين عليه السلام ، لأن كل واحد من هؤلاء في قعدد صاحبه ، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان في صفين بإزاء معاوية اضطر إلى أن جعل هاشما بإزاء أمية بن عبد شمس » وهذا القول ليس هناك لما قدمنا ، ولأن سلسلتي نسب على ومعاوية إلى عبد مناف ليستا متكافئتين بطبيعتهما ، فهي تزيد في معاوية حلقة ، فمعاوية هو ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وعلى هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف ، فكيف يكون التنظير على قول ابن أبي الحديد ؟